دكتور/ وائل حسنين

قسم جراحة القلب و الصدر ـ كلية الطب ـ جامعة الإسكندرية

الشرايين التاجية

ضيق الشرايين التاجية:

الشرايين التاجية هي المسئولة عن تغذية القلب بالدم بما يحمله من أكسجين. و ينتج ضيق الشرايين التاجية عن ترسبات دهنية في جدار الشرايين. و هذا المرض يعتبر من أكثر الأمراض انتشارا في العصر الحديث. و من العوامل التي تزيد من خطورة الإصابة بالمرض التدخين و ارتفاع نسبة السكر في الدم و ارتفاع نسبة الدهون في الدم و ارتفاع ضغط الدم و السمنة و الانفعال المتكرر.

في أكثر حالات الضيق يبقى الدم الذي يسري خلال الشريان كافيا أثناء الراحة لحاجة الجزء من القلب الذي يغذيه الشريان. في حالة المجهود أو الانفعال يحتاج القلب إلى كمية من الدم أكثر مما يحتاجها أثناء الراحة. و في هذه الحالة لا يستطيع الشريان الضيق أن يفي بحاجة الجزء من القلب الذي يغذيه. و هنا يشعر المريض بألم في الصدر.

و الجزء الضيق من الشريان يفقد نعومة بطانته الداخلية. و مع صعوبة مرور الدم خلال الجزء الضيق يكون هذا الجزء معرضا إلى حدوث جلطة تؤدي إلى انقطاع الدم فجأة عن الجزء الذي يغذيه الشريان. و قد تحدث الجلطة في بعض الحالات حتى قبل أن يكون المريض قد شعر بأعراض قصور الشريان من قبل. و يعتمد تأثير الجلطة على حجم الجزء من القلب الذي انقطع عنه الدم. فقد تمر الجلطة بدون ترك أثر و قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل الفشل الحاد في عضلة القلب.

و فشل عضلة القلب في حالات الشرايين التاجية قد يحدث أيضا تدريجيا على المدى البعيد. و من المضاعفات التي تحدث في بعض الحالات ارتجاع الصمام الميترالي. و مثل فشل عضلة القلب، قد يحدث هذا الارتجاع فجأة في حالات الجلطة أو تدريجيا على المدى البعيد.

 

العملية:

إن عملية توصيل الشرايين التاجية تعتبر من أكثر العلاجات التي مورست في تاريخ الطب الحديث. و قد تم إجراء هذه العملية لملايين المرضى في جميع أنحاء العالم. و رغم أن الكثير من حالات ضيق الشرايين التاجية يمكن علاجها بواسطة قسطرة القلب و بنتائج ممتازة، إلا أن الكثير من المرضى يحتاجون إلى التدخل الجراحي. و لاتعني الحاجة إلى التدخل الجراحي أن حالة المريض أكثر خطورة بالضرورة. و لاينصح الطبيب بإجراء العملية إلا إذا رأى أن خطورتها تقل عن خطورة تجنبها و أن جودة الحياة بعد العملية تفوق جودتها بدونها. و تعتمد خطة العملية على تصوير الشرايين التاجية بواسطة قسطرة القلب. و تجرى العملية عن طريق شق عظمة القص.

و أثناء العملية لا يتعامل الجراح مع الجزء الضيق من الشريان إلا في حالات استثنائية و نادرة.  إن ما يقوم به الجراح هو اختيار جزء مناسب من الشريان يقع بعد الجزء الضيق. و بعد ذلك يقوم الجراح بخياطة وصلة إلى هذا الجزء الواسع من الشريان. و يتدفق الدم القادم من الشريان الأورطي (في حالة إستخدام الوريد كوصلة) أو من الشريان التحت ترقوي الأيسر (في حالة الشريان الثديي) خلال هذه الوصلة إلى الجزء من القلب الذي يغذيه الشريان الضيق. و يبين الرسم المرفق فكرة هذه العملية (على اليمين: قبل العملية، على اليسار: بعد العملية).

 

 

 

 

 

عملية الشرايين التاجية بدون استخدام ماكينة القلب المفتوح:

إن وظيفة ماكينة القلب المفتوح هي إضافة الأكسجين إلى الدم الذي يصل إليها من الأذين الأيمن ثم ضخه في الشريان الأورطي ليصل إلى كل أعضاء الجسم. و بذلك يمكن إيقاف القلب و الرئتين عن العمل و كذلك إيقاف وصول الدم إليهم. و تحت هذه الظروف يستطيع الجراح أن يعمل على أنسجة ثابتة و بدون وجود دم يعيق الرؤية.

و استخدام ماكينة القلب المفتوح يتطلب إدخال قساطر داخل القلب و الشريان الأورطي لنقل الدم من و إلى ماكينة القلب المفتوح. و تتصل هذه القساطر بمؤكسج الدم و الذي يتكون أيضا من مواد صناعية. و استخدام الماكينة قد يؤدي إلى مضاعفات في حالات نادرة.

و قد تم تطوير بعض الآلات لمساعدة الجراح أن يرى الشرايين التاجية و أن يثبت الجزء من الشريان الذي يريد أن يخيط إليه الوصلة. و بذلك يمكن الإستغناء عن ماكينة القلب المفتوح.

و قد أجريت مئات الأبحاث العالية الجودة لدراسة هذه التقنية و مقارنتها بالطريقة التقليدية باستخدام الماكينة. و قد أثبتت نتائج هذه الأبحاث أن هذه التقنية تكون أفضل في بعض فئات المرضى الذين يعانون من عوامل خطورة أخرى مثل قصور وظائف الكليتين. أما في أكثر المرضى فإنه يمكن إجراء العملية باستخدام الماكينة أو بدونها و بنتائج ممتازة في كلتا الحالتين.

عملية الشرايين التاجية بدون استخدام أوردة الساق:

عندما بدأ انتشار إجراء عمليات توصيل الشرايين التاجية بصورة روتينية في بداية سبعينات القرن الماضي، كانت أوردة الساق هي الوصلة الأساسية المستخدمة في العملية. و مع اكتساب خبرة على مدى سنوات تبين للأطباء أن نسبة كبيرة من أوردة الساق تضيق ثم تغلق بعد عدة سنوات من العملية. فبعد عشرة سنوات من العملية لا يبقى إلا 50% من الأوردة قادرا على توصيل الدم. و يرجع ذلك لأن جدار الوريد غير مناسب لتحمل ضغط الدم الشرياني على المدى الطويل. و قد دفع ذلك الجراحين لاستخدام الشريان الثديي الأيسر في العمليات. و قد أصبحت (و ما زالت، في الكثير من المراكز) العملية التقليدية هي توصيل الشريان الثديي الأيسر بالشريان التاجي الأيسر الأمامي النازل (و هو أهم شريان تجرى له وصلة في العملية) و توصيل وريد الساق بباقي الشرايين التاجية.

و  قد أثبت الشريان الثديي تفوقا واضحا مقارنة بالوريد. فبعد عشرة سنوات من العملية تبقى 90 % من الشرايين الثديية قادرة على أداء وظيفتها بتوصيل الدم. و محاولة لتحسين نتائج العملية على المدى الطويل، بدأ الأطباء في استخدام شرايين أخرى بدلا من الأوردة مع الشريان الثديي. و كان شريان الساعد من أهم الوصلات المستخدمة في هذه الحالة، إلا أنه لم يثبت تفوق واضح مقارنة بالوريد. و يرجع ذلك لسمك طبقة العضلات في جداره.

و لما كان الشريان الثديي الأيسر قد أثبت تفوقا على مدى عقود، فقد بدأ الكثير من الجراحين في استخدام الشريان الثديي الأيمن مع الأيسر. و قد واكب ذلك التطور في الآلات و الخيوط الجراحية و وسائل التكبير بما يسمح باستخدام الشريانين الثديين فقط في توصيل جميع الشرايين التاجية الضيقة. و قد أثبتت العديد من الدراسات أن استخدام الشريانين الثديين أفضل مقارنة باستخدام شريانا واحدا. و كمثال على هذه الدراسات، في العام 2004  أظهرت دراسة نشرت في المجلة الأوروبية لجراحة القلب و الصدر (و هي من أهم المجلات الدولية في هذا المجال) أن 96,5 % من المرضى الذين أجريت لهم العملية بواسطة الشريانين الثديين ما زالوا على قيد الحياة بعد العملية بعشرة سنوات أو توفوا لسبب لا علاقة له بالقلب. و كانت هذه النسبة 91,3 % في المرضى الذين أجريت لهم العملية بواسطة الشريان الثديي الأيسر فقط مع أوردة الساق. و معنى ذلك أن استخدام وريد الساق بدلا من الشريان الثديي الأيمن قد يكلف 5 % من المرضى حياتهم في خلال عشرة سنوات من العملية.

 (Eur J Cardiothorac Surg 2004;26:542–548)

و في أحدث الخطوط الإرشادية للجمعية الأوروبية لجراحة القلب و الصدر أوصت اللجنة التي وضعت هذه الخطوط الإرشادية أن يتم استخدام وصلات شريانية لجميع الشرايين التاجية في أكثر المرضى. و قد اعتمدت اللجنة في هذا المجال أعلى مستوى توصية (Class I) و بنت هذه التوصية على أعلى مستوى للأدلة العلمية (Level A).

 (http://www.escardio.org/guidelines-surveys/esc-guidelines/GuidelinesDocuments/guidelines-revasc-FT.pdf).

و مميزات هذه الطريقة لا تقتصر على المدى البعيد. أهم مميزاتها على المدى القصير هو تجنب فتح الساق بما قد يحمله من ألم و مضاعفات محتملة. و بعد أن كانت هذه الطريقة تجرى فقط للمرضى صغار السن، بدأت تجرى للأكبر سنا، الذين لا يجب حرمانهم من فوائد هذه الطريقة.

  و لكن يفضل تجنب هذه الطريقة في مرضى السمنة المفرطة خاصة تلك المصاحبة بارتفاع السكر في الدم. ففي هؤلاء المرضى يقترن استخدام الشريانين الثديين بارتفاع نسبة عدم التئام الجرح.

و لأن هذه الطريقة حديثة نسبيا، فإنها ليست جزءا من التدريب الأساسي لجراحي القلب، و بالتالي فعدد الجراحين الذين يستخدمونها لا يزال قليلا. و هناك نسبة قليلة من المرضى لا يمكن استخدام هذه الطريقة معهم لأسباب تتعلق بالشرايين الثديية أو الشرايين التاجية.

 

 

Textfeld: dr@waelhassanein.com